السيد نعمة الله الجزائري
35
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
ينقص منه شيء ، ويسمى ذلك الموجود نارا ، ونظير هذه المعرفة في معرفة اللّه معرفة المقلدين الذين صدّقوا بالدين من غير وقوف على الحجة ، وأعلى منها مرتبة من وصل إليه دخان النار وعلم أنه لا بد له من مؤثر ، فحكم بذات لها أثر هو الدخان ، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة أهل النظر والاستدلال ، الذين حكموا بالبراهين القاطعة على وجود الصانع ، وأعلى مرتبة مرتبة من أحس بحرارة النار بسبب مجاورتها ، وشاهد الموجودات بنورها ، وانتفع بذلك الأثر ، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة المؤمنين الخلّص ، الذين اطمأنت قلوبهم باللّه ، وتيقنوا أن اللّه نور السماوات والأرض كما وصف به نفسه ، وأعلى منها مرتبة مرتبة من احترق بالنار بكليته ، وتلاشى فيها بجملته ، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة أهل الشهود والفناء في اللّه ، وهي الدرجة العليا ، والمرتبة القصوى ، رزقنا اللّه الوصول إليها والوقوف عليها بمنه وكرمه . « وألهمنا من شكره » أي الذي هو شكره ، أو من بعض شكره ، والشكر في اللغة فعل ينبئ عن تعظيم المنعم ، ومورده الثلاثة ، وفي الاصطلاح صرف العبد جميع ما أنعم اللّه عليه إلى ما خلق لأجله ، كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته ، والسمع إلى تلقي ما ينبئ عن مرضاته ، وعليه ورد قوله تعالى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ، والمفهوم من تتبع الأخبار هو المعنى الأول . « وفتح لنا من أبواب العلم بربوبيّته » الظرف وهو قوله بربوبيته ، إما أن يتعلق بقوله فتح ، فإن الرب مأخوذ من التربية ، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا ، ولا ريب في أن العلم من أشرف الكمالات ، فلا بد للمربي من أن يبلغ المربّى إلى مراتب العلوم المختلفة ، من علوم الشرائع والأحكام ، والعلم بأحوال العقول والنفوس والأجرام ، وإما أن يتعلق بالعلم ، أي بسبب العلم والمعرفة بكونه ربا فتح لنا أبواب العلم وعرفناه ، ويجوز أن يراد بالأبواب الأئمة عليهم السّلام ، فإنهم الباب المأمور بالدخول منه بقوله تعالى : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ، وقوله عليه السّلام أنا مدينة العلم وعلي بابها .